الوصية بتربية الأبناء

اذهب الى الأسفل

الوصية بتربية الأبناء

مُساهمة  Admin في الجمعة 06 نوفمبر 2009, 10:29

ملخص الخطبة: 1- الوصية بتربية الأبناء.2- الرفق في التعامل معهم.3- القدوة الحسنة لهم.4- جمع كلمتهم ، وربط شملهم ، وإن كانوا من أمهات شتى.5- تعويدهم على كل خير ، وتحذيرهم من كل شر.
الخطبة الأولى
أما بعد: يا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، إن وجود الولد للعبد نعمة من الله عليه، قال تعالى: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ [الأنبياء:89]، قال الله: فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ [الأنبياء:90]، وقال تعالى في ثنائه على إبراهيم: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَـٰلِحِينَ [الأنبياء:72]، وقال تعالى: ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا [الكهف:46]، وقال جل وعلا: لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَن يَشَاء إِنَـٰثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء ٱلذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَـٰثاً [الشورى:49،50].

أيها المسلم، فالولد نعمة من الله عليك، فهو امتداد لحياتك، حياة لك بعد موتك، هذا الولد حياة لك أخرى، دائماً تُذكر به، تمتد حياتك بعدك بالذكر الحسن والثناء الطيب، قال تعالى: وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ مّنْ عَمَلِهِم مّن شَىْء [الطور:21].

أيها المسلم، والله جل وعلا قد بين لنا حقوق الأولاد علينا، بيَّن لنا حقوق أولادنا علينا، وأن لأولادنا حقاً علينا واجباً لا بد من أدائه؛ فإن نعمة الولد تحتاج إلى شكر الله، وشكر الله القيام بحقوق الأولاد على الوجه المرضي، قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

يخاطب الله عباده المؤمنين بقوله: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً، قوا أنفسكم النار بطاعتكم لله، بقيامكم بما أوجب الله، ببعدكم عما حرم الله عليكم، وقوا أهليكم ناراً بأن تأمروهم بالخير، وتحثوهم عليه، وتنهوهم عن الشر، وترغبوهم في تركه، قوا أنفسكم وأهليكم ناراً، قوهم النار، فمروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، وربوهم التربية الصالحة التي يظهر أثرها عليهم بتوفيقٍ من الله.

أيها الأب الكريم، إن لأولادك عليك حقاً عظيماً كما أن لك على ولدك حقاً، فكما يطالَب الابن بالبر والإحسان للأبوين فالأب مطالب أيضاً بحقوق الأولاد، فعلى الأب القيام بتلكم الحقوق التي أوجبها الشارع عليه.

فأعظم حق لهم عليك أن تربيهم التربية الصالحة، في الحديث: ((ما نحل والدٌ ولده خيرا من أدب حسن))[1]، فربّهم على الخير، ربِّهم على الفضائل، ربهم على مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، واعلم أن أولئك النشء يقتدون بك، ويتأثرون بك، ويعكسهم صورة لأخلاقك، صورة تعكس أخلاقك وأعمالك؛ إذاً فاتق الله فيهم، اتق الله فيهم أن يصابوا من قبلك بالتفريط والإهمال أو ارتكاب الأعمال السيئة التي يشاهدها الأولاد منك، من ترك واجباتٍ أو فعل محذورات، ينشؤون على حبها وأُلفها.

أيها الأب الكريم، إن نبينا محمداً يقول: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه))[2]، فاحذر ـ أيها الأب الكريم ـ أن تكون قدوةً لأبنائك في الشر، وقدوة لهم في الانحراف، وقدوةً لهم في البعد عن الهدى، كن قدوةً صالحاً لهم يقتفون أثرك، ويتأسون بك، ويعملون مثل عملك.

أيها الأب الكريم، لا تأمر أولادك بالصلاة وأنت متكاسل عنها، لا تأمرهم بها وأنت مفرط فيها ومتهاون بها، لا تأمرهم ببرِّك والإحسان إليك وإلى أمهم وهم يشاهدونك تعق أباك وأمك، كيف تأمرهم بالبعد عن مجالسة أهل الرذيلة وأنت تسهر ليلك مع كل من لا خير في السهر معهم؟! كيف تنكر عليهم شيئاً من سفاسف الأخلاق والأعمال والواقع أنك ترتكبها؟!

أيها الأب الكريم، كن صادقاً في تربيتهم، كن صادقاً في توجيههم، كن صادقاً في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

أيها الأب الكريم، كن معهم بالتوجيه والتعليم، استعمل معهم الرفق في كل الأحوال، فما وضع الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على سواه.

كن ـ أيها الأب الكريم ـ متخلقاً بالحلم والأناءة في أمورك، فإنهم إذا شاهدوا ذلك منك فإنهم يكتسبون ذلك الخلق الكريم منك.

كن ـ أيها الأب الكريم ـ مهذباً في قولك، بعيداً عن الفحش وسيئات الأقوال، فلا يسمعونك لعَّاناً، ولا يسمعونك سبَّاباً، ولا يسمعونك منتهكاً لأعراض الناس، ولا متبعاً لعوراتهم، يسمعون منك الكلمة الطيبة، والمقولة الحسنة، والألفاظ المهذبة.

أيها الأب الكريم، كن معهم صادقاً في التعامل، فإذا عاملت الناس فليروا منك معاملة حسنة مع الآخرين، حتى يأخذوا تلك السيرة الفاضلة منك، كن معهم صادقاً في اكتساب الحلال، فإن رأوك حريصاً على المكسب الطيب والنفقة الطيبة والحرص على الحلال اقتدوا بك وتأسوا بك، وإن رأوك إنساناً لا تبالي بمكاسبك، أمن حلال هي أم من حرام؟ المهم الوصول إلى المال، فإنهم يقتدون بك.

أيها الأب الكريم، كن صادقاً معهم في الوفاء بالعهد وصدق الحديث؛ فإنهم يقتدون بك، فإن سمعوك تحدثهم حديث الصدق غير الكذب ألِفوا الصدق منك ونقلوه وتحلوا بالصدق، وإن رأوك كذاباً تخبرهم بغير الواقع وتحدثهم بما لا يكون، وتحاول أن تخبرهم بالأخبار التي لا أصل لها ولا أساس فإنهم يقتدون بك.

أيها الأب الكريم، كن صادقاً في تعاملك مع الآخرين، فإن رأى الأبناء منك صدقاً في المعاملة وأداء الناس حقوقهم فإنهم يحرصون على هذا الخلق الكريم.

أيها الأب الكريم، برَّ بالأبوين حتى يشاهد الأبناء منك برك بأبيك وبرك بأمك، فينقلون تلك الصفة الحميدة عنك، كن واصلاً لرحمك فإنهم يقتدون بك حينما يرونك تزور قريبك وتواسي محتاجهم وتقوم بحقهم.

أيها الأب الكريم، عاملهم بالعدل فيما بينك وبينهم، فلا تظهر لهم ميولك مع فئة دون أخرى، ولكن ليشاهدوا منك عدلاً بينهم، تعدل بينهم في الخطاب، وتعدل بينهم في الحديث، وتعدل بينهم في الأمر والنهي، وتعدل بينهم في النفقة، فلا ينقمون منك ميولاً لأحدٍ دون أحد. كن حريصاً على ربط كلمتهم، وجمع صفهم ووحدتهم، وإن تعددت الأمهات، أنت الركيزة وأنت الأصل، حاول جمع الكلمة، حاول وحدة الصف، حاول استئصال كل ما تظن أنه سبب لفرقتهم، تستأصله من نفوسهم بالقول الطيب وحسن الأخلاق، حاول أن تشعرهم أنهم سواء، وأنهم إخوة يجب أن يتعاونوا، حاول ربط صغيرهم بكبيرهم، وحث صغيرهم على احترام كبيرهم، وحث الكبير على رحمة الصغير، في المجلس حاول تقديم الأكبر، حتى يشعروا أن هذا هو الخلق الذي ينبغي أن يكونوا عليه. لا يخدعك ميولك لامرأة دون أخرى، فكونك مع النسوة قد تظهر شيئا دون الأخرى وإن كان خطأ، لكن الأولاد والبنات حاول أن تشعرهم أنهم منك سواء، وأن نظرتك إليهم نظرة عادلة لا تفضِّل بعضاً على بعض، ولا تقدم هذا على هذا، حاول أن تستشيرهم جميعاً ليشعروا منك أنك الأب الحنون الشفيق عليهم.

إن المسلم وهو يستعمل آداب الإسلام مع ولده لا بد أن تظهر تلك الآثار عليهم، لكن المصيبة الجنوح مع بعض دون بعض، وإهمال بعضٍ والاعتناء ببعض، وإثراء أحدٍ وإفقار أحد، كل هذه الأمور حاول اجتنابها ما وجدت لذلك سبيلاً.

أيها الأب الكريم، اختر لهم الأسماء الحسنة، وابتعد عن الأسماء التي فيها جفاء أو فيها غلو، وحاول أن تنشئهم النشأة الطيبة ليكون البيت معموراً بالخير والهدى، هذه شريعة الله التي أوجبت تلك الحقوق على الأبوين.

أيها الأب الكريم، قد يخطئ بعض الأولاد، وقد يسيء بعض الأولاد، فكيف تربي؟ هل بالغلظة والكلام السيئ؟ وهل بتخجيله أمام إخوته؟ لا، عالج أخطاءه فيما بينك وبينه، ولا تظهر لإخوانه خطأه وزللـه، ولا تخجِّله أمام إخوته، فربما انصرف عنك وعن موعظتك. لا، حاول بكل إمكان أن تصلح الخلل، وأن تسدد الأمر، وأن تبذل الجهد في التحام الصف ووحدة الكلمة، فأولئك أبناؤك، فإن سعيت بالخير بينهم نلت الخير عند الله، وإن كنت ضد ذلك شقوت في حياتك وآخرتك.

فاتق الله في أولادك، فإنك راعٍ عليهم، والله سائل كل امرئ عما استرعاه: حفظ ذلك أم ضيعه؟ وفي الحديث: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته))[3].

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] أخرجه أحمد (16269)، والترمذي في البر (1952) من طريق عامر بن أبي عامر الخزاز، عن أيوب بن موسى، عن أبيه، عن جده بنحوه مرفوعا، وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عامر بن أبي عامر الخزاز، وهو عامر بن صالح بن رستم الخزاز، وأيوب بن موسى هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص، وهذا عندي حديث مرسل"، وضعفه الألباني في الضعيفة (1121).

[2] أخرجه البخاري في الجنائز (1358)، ومسلم في القدر (2658) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] أخرجه البخاري في الجمعة (893)، ومسلم في الإمارة (1829) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.


الخطبة الثانية:
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، إن أثر تربية الأولاد على الخير تظهر نتائجها وآثارها للعبد في دنياه وآخرته، يقول نبينا : ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له))[1]، فالولد الصالح ينفع أباه في حياته بالبر، وينفعه بعد موته بدعاء الله له وسؤال الله له، ولذا أرشد الله الأولاد أن يقولوا: وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا [الإسراء:24].

فيا أيها الأب، إن ذكرياتك الحميدة لدى أبنائك لا تزال موجودة إن كنت قمت بالواجب نحوهم، فهم يحبونك ويقدرونك ويشفقون عليك، ويسألون الله لك الرحمة والمغفرة. أما إن كنت ـ أيها الأب ـ على خلاف ذلك مع الأولاد جافياً قاسياً غليظاً، تفرق بينهم، وتبخل عليهم، وتقتر عليهم، وتقدم عليهم رأي امرأة ما؛ فإن ذلك سبب لتفريق الكلمة وتشتيت الشمل، ونعوذ بالله من القطيعة.

فاتقوا الله ـ أيها الآباء ـ في أبنائكم، واتقوا الله ـ أيها الأبناء ـ في آبائكم وأمهاتكم، وليسلك الجميع طريق السلامة بتطبيق آداب الشريعة.

أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية لما يحبه الله ويرضاه، إنه على كل شيء قدير.

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

وصلوا ـ رحمكم الله ـ على محمد...


عدل سابقا من قبل Admin في الجمعة 27 نوفمبر 2009, 18:33 عدل 1 مرات
avatar
Admin
Admin

عدد المساهمات : 53
نقاط : 1003
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 23/09/2009
العمر : 25
الموقع : www.mnider.c.la

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kadat-alkhayr.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الوصية بتربية الأبناء

مُساهمة  ayoub في السبت 07 نوفمبر 2009, 10:24

هدا هو المرجو والمنتظر منك.جزاك الله خيرا على هدا الموضوع
avatar
ayoub

عدد المساهمات : 117
نقاط : 3114
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 23/09/2009
العمر : 26
الموقع : www.chifae-islam.tk

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى